الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

306

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فإن سائر الأفعال إنما يكون مقدورة بحصولها بإرادة المكلف فلا يكون الإرادة مقدورة بحصولها بغير توسط الإرادة وإلا لزم التسلسل في الإرادات وإذا كانت غير مقدورة وكان التكليف حاصلا من دون حصولها ثبت المدعى وإن لم يثبت التكليف مع انتفائها لزم ما ذكر من اللازم وفيه أولا أن التقرير المذكور لو تم فإنما يجري في خصوص الإرادة دون سائر الشروط المفقودة وقضية التقرير المذكور جريان الدليل في غيرها من سائر الشروط المفقودة حيث ذكر أن كل ما لم يقع فقد انتفي شرط من شروطه وثانيا أن عدم مقدورية الإرادة ممنوعة وكونها غير حاصلة بإرادة أخرى لا يفيد ذلك فإنها مقدورة بنفسها ويكون بغيرها مقدورة بتوسطها وثالثا بأن محل النزاع في المقام إنما هو بالنسبة إلى شروط الوجوب دون الوجود والإرادة من شروط الوجود بالاتفاق سواء كانت مقدورة أو غير مقدورة فيكون خارجة عن محل النزاع وقد يوجه الاستدلال بنحو آخر بأن يقال إن كلما انتفي شرط من شروط الفعل فهو مما يمتنع حصوله في الخارج لكون انتفائه معلوما للّه تعالى فلو حصل في الخارج لزم انقلاب علمه تعالى جهلا وهو محال فالملزوم مثله فإذا كانت تلك الشرائط المفقودة ممتنعة لم تكن مقدورة أولا فتعلق القدرة غير ظاهرة غاية الأمر أن يقضي ذلك بامتناعها نظرا إلى اختيار المكلف تركها وهو لا ينافي المقدورية بل يؤكدها نعم لو كانت ممتنعة من دون اختيار المكلف تم ما ذكر إلا أنه ليس كذلك ولو سلم عدم مقدوريتها فليس الوجوب مشروطا بالنسبة إليها إذ ليس جميع الشرائط مشروطا في الوجوب فهي خارجة عن مورد النزاع ومجرد عدم مقدوريتها نظرا إلى الوجه المذكور لا يقضي بتقييد الوجوب بها وانتفائه مع انتفائها قوله لم يعلم أحد أنه مكلف قد مر أن العلم بحصول التكليف الظاهري حاصل بالاتفاق ولو مع عدم حصول الظن بمطابقته للواقع إذا ثبت التكليف بملاحظة الطريق المقرر في الشريعة لإثبات التكاليف الشرعية كما في العلم بتكليف المرأة بالصوم مع شكها في طرو الحيض في أثناء النهار أو ظنها به فالملازمة المدعاة ممنوعة وما ذكر في بيانه لا يفيد ذلك أقصى الأمر أن يفيد عدم علمه بكونه مكلفا نظرا إلى حكمه الواقعي الأولى وأما تكليفه الظاهري فليس مشروطا به حسب ما قدمنا الإشارة إليه قوله ولو اجتمعت الشرائط عند دخول الوقت لا يخفى أن مجرد اجتماع الشرائط عند دخول الوقت لو كان كافيا في حصول اليقين بالتكليف فجرى في الضيق أيضا إذا حصل اجتماع الشرائط عند دخول وقته وكيف يعقل حصول اليقين حينئذ بالتكليف مع الشك في طرو المانع أو ارتفاع بعض الشرائط في الأثناء وكأنه أراد بما ذكره معنى مقدار أداء الفعل مستجمعا للشرائط بعد دخول الوقت وحينئذ يحصل اليقين بالاشتغال في الموسع ويدفعه إذن أن الحاصل حينئذ هو اليقين بسبق الاشتغال لا كونه مشتغلا بالفعل بالنسبة إلى ما يأتي حسب ما قرره في الجواب قوله لم يعلم إبراهيم عليه السلام لوجوب ذبح ولده وكان الأظهر أن يجعل تالي الشرطية المذكورة عدم أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده والتالي باطل لدلالة الآية الشريفة على الأمر به وأيضا لولا تعلق الأمر به لم يعلم أمره عليه السلام بوجوب ذبح ولده لامتناع الجهل على النبي صلى اللَّه عليه وآله سيما بالنسبة إلى الأحكام الشرعية وقد علم ذلك نظرا إلى إقدامه على الذبح وكأنه داعي في ذلك الاختصار فإنه لما كان علم إبراهيم عليه السلام دليلا على الأمر جعل ذلك تاليا للشرطية قوله وإنما هو في الشرط الذي يتوقف عليه تمكن المكلف إلى آخره لا يخفى أن من الشروط ما يتوقف عليه حصول الفعل من غير أن يتوقف التمكن منه عليه كالشروط الوجودية المقدورة للمكلف ومنها ما يتوقف عليه حصول تمكن المكلف عن الفعل كالقدرة على مقدمات الفعل وحينئذ فقد يتوقف عليه حصول القدرة وقد يتوقف عليه بقاؤهما والصورة الأولى خارجة عن محل النزاع قطعا وظاهر العبارة يفيد اندراج الصورة الثانية بقسميها في محل البحث لتوقف تمكن المكلف من الفعل عليها إما ابتداء أو استدامة ومن البين أن ما يتوقف عليه بقاء القدرة قد يكون مقدورا للمكلف وقد لا يكون مقدورا له واندراج الأول في محل النزاع غير ظاهر كما عرفت وقد يخص كلامه بالقسم الأول أو ما يعمه والثاني مع عدم كون البقاء مقدورا للمكلف وكأنه لذا جعل الوجه في عدم الإعجاب من الترجمة المتقدمة كونها أعم من المقدمات المقدورة وغيرها مع أن محل الخلاف هو الثانية لا غيرها لكن قد عرفت أن الظاهر إطلاق ما ذكر أعم من ذلك ويرد عليه مما مرت الإشارة إليه من جريان الخلاف في بعض شروط الوجوب مما يكون مقدورا للمكلف فلا وجه للحصر المدعى قوله المنع من بطلان اللازم هذا مبني على حمل العلم بالتكليف على العلم بتعلق التكليف به واقعا وهو مقصود السيد أيضا وقوله وليس يجب إذا لم يعلم قطعا أنه مأمور به أن يسقط عنه وجوب التحرز إشارة إلى وجوب التكليف الظاهري بالنسبة إليه وحصول العلم به قطعا حسب ما قرره لكن لا يعتبر فيه حينئذ حصول الظن بالواقع بل يكفي فيه الرجوع إلى الطريق المقرر شرعا ظنا كان أو غيره حسب ما مرت الإشارة إليه قوله إلا بعد تقضي الوقت وخروجه هذا في المضيق وأما الموسع فيكفي فيه تقضي مقدار الفعل ومقدماته التي يتوقف عليها الفعل حينئذ وقد يعم الوقت في كلامه بحيث يشمل ذلك قوله بل كلف بمقدماته إلى آخره لا يخفى أن ما ذكره يخالف ظاهر قوله تعالى إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى فإن الظاهر منه كون المأمور به نفس الذبح وحمله على إرادة المقدمات مجاز وجعل قوله تعالى صدقت الرؤيا قرينة عليه حسب ما ادعاه ليس بأولى من العكس لكن يمكن أن يقال إن دوران الأمر بين الوجهين كاف في دفع الاستدلال نظرا إلى قيام الاحتمال إلا أن يقال بترجيح المجاز الثاني نظرا إلى قربه بل يمكن أن يقال بحصول التصديق على سبيل الحقيقة إذ لم يكن سوى الإتيان بسبب الذبح وقد أتي به وإن لم يتفرع عليه ذلك لمنعه تعالى إلا أنه تخرج عن محل البحث لأدائه المأمور به وكذا الحال لو قيل بحصول فري الأوداج والتحام العضو بأمر اللّه تعالى وكل من الوجهين بعيد مناف لنزول الفداء إذ هذا ظاهر جدا في كون المطلوب نفس الذبح وعدم حصوله في المقام وجعل الفداء عوضا عنه واحتمل كونه فداء عن الذبح نظرا إلى ما يظن من حصول الأمر به بعد ذلك أو عن بقية المقدمات مما لم يؤمر به وظن أنه سيؤمر به من التكليفات البعيدة لا داعي إلى ارتكابه والحق كون الأمر في المقام لاختيار إبراهيم عليه السلام لإظهار علو شأنه وكمال انقياده كما سيشير إليه قوله تعالى إن هذا لهو البلاء المبين وقد عرفت أنه لا يجوز حينئذ في الأمر نظرا إلى حصول الطلب الذي هو مدلول الصيغة والإرادة التشريعية لنفس الفعل وإن لم يكن مرادا بنحو آخر لعلمه تعالى بمنعه عن الفعل وقد مر أن تلك الإرادة لا مدخل لها في مفاد الصيغة والقضية المذكورة أقوى شاهد على المدعى ولا حاجة في دفعه إلى التكليفات المذكورة إذ ليس فيها منافاة لحكم الفعل ولا لقواعد الشرع